كأنّ كل شيء لم يكن في الأصل شيئًا. كأنك تبحر في بحرٍ ليس لك، وكأن
السماء التي كانت تأخذك إليها كلما رفعت عينيك، تتوارى فجأة خلف سوادٍ بارد، كأنها
لم تكن يومًا وطنًا لعينيك. كأنك كنت تنتظر يومًا لا يأتي أو وقتًا خارج حدود الزمن، تحلم مطمئنًا
بما تريد فيوقظك رنين المنبه للعودة إلى الواقع. حين تشعر أن ما كنت تؤمن به لم
يكن منطقيًا، وأن ما حسبته صوابًا تبين لك أنه عين الخطأ.
أتعرف هذا الشعور؟ ذاك الذي يتسلل إليك بلا استئذان، ويجلس في صدرك كحقيقةٍ لا تُقال؟ أعرف أنك تشعر بي الآن وتعي ما أقول؛ لأنك لا محالة، مررت يومًا بتجربة نثرت فيها بذورك في أرض جدباء، لا تزهر ولا تثمر.
كل منا نال نصيبه من الخذلان، وعاش شتات الخيبة. ليس لأننا حمقى، بل لأننا وضعنا آمالنا في غير مواضعها، واتّبعنا خرائط لا تشبه جغرافيا قلوبنا.
نعم مررنا من بوابة الخذلان، وتعثّرنا في طرق الخيبة، لأننا صدّقنا أكثر مما ينبغي وأحببنا أكثر مما يجب. قد يخذلك الآخرون، تخذلك الظروف، وأحيانًا… تخذلك نفسك. حتى ظلك، ذلك الرفيق الصامت، يتخلّى عنك حين تغيب الشمس. كل شيء عابر، وكل شعورٍ مؤقّت، وكل ما فينا قابل لأن يُستبدل بنقيضه يومًا ما.
ولكن.. لا بأس من بعض الدروس الصعبة التي بالتأكيد ستتجاوزها، وستخرج منها بفوائد وعبر تزيدك وعي في الحياة والناس، فهي وحدها من تعلّمك كيف ترى بوضوح، وكيف تمسك نفسك حين تميل.
وليس أقسى من الخذلان إلا شعور الخيبة، حين ترفع سقف توقّعاتك فينهار عليك، تاركًا روحك باهتةً خامدة، عندها تتساوى لديك الأضداد، وقد تفقد الإحساس، ومع ذلك، ستنجو… إن أردت.
امنح نفسك فرصة عيش هذه المرحلة بطبيعتها، بكل ما فيها من ألمٍ ومشاعر. لا تمارس دور البطل بمحاولة الإنكار أو المقاومة الزائفة فتتفاقم جراحك ويصعب برؤها. خذ وقتك الكافي لتتحرّر من كبت الشعور ثم ابدأ رحلة التعافي واجعل خطواتك فيها ثابتة، ولا تلتفت إلى الوراء أبدًا.
وماذا بعد؟
ستعود إلى نفسك بقلبٍ أقوى، وعقلٍ أنضج. ستشعر وكأن الزمن قد أسرع بك، وأنك أصبحت أكثر قدرة على فهم الناس والمواقف، وأكثر مهارة في وضع كل شخص في مكانه المناسب. ستزن الأمور بوعي، فلا يصدمك واقع ولا يخيبك خيال.
وكما قيل "الخيبة تزرع فيك نضجًا لا يمنحك إياه أي انتصار".
قد تبقى بعض الندبات في روحك أو ثقوب في قلبك، لكنها ستلتئم مع
الأيام، حين تمضي في حياتك، وتنشغل بما تحب، وتخطط لنجاحاتك. فقط سر مع الحياة،
ولا تدعها تمضي من دونك أو تتسرب منك؛ فالحياة لا تنتظر أحدًا. ومن أرادها، تمسّك
بها، وأقصى عن طريقه كل ما يعيقه.
منال الرحيلي

0 تعليقات