Ad Code

Responsive Advertisement

دهشة البدايات وميلاد الشعور

 


عندما بدأ ذلك الشيء يتسلل إلى قلوبنا بكثافة، في لحظة لم تكن لدينا فيها ذاكرة للمقاومة، لم يكن في قائمة معانينا ما يشبهه. كان إحساسًا جديدًا يغمرنا ببطء، تطفو معه مشاعر لم نعهدها من قبل، وكأنها تعلن ميلادها في تلك اللحظة.. لحظة الشعور الأول.

كانت تلك هي المرة الأولى؛ عندما أحببنا، سافرنا، قرأنا رواية طويلة، شاركنا طبقا مع صديق جديد، زرنا تلك البلدة الجميلة، وركضنا على الشاطئ حتى انقطعت أنفاسنا. هناك، عرفنا معنى الدهشة التي لم يمسّها الاعتياد، واللذة التي لا يمنحنا إياها التكرار. وكأن الروح تخوض التجربة من دون وعي مسبق، ومن دون ذلك الحذر الذي يسلب الأشياء متعة الشعور الكامل بها.

في البدايات لا نفكر كثيرًا، لكننا نشعر بعمق. ننظر بلا خوف، نصغي جيدًا، ونمشي بلا تردد، وكأن العالم يعبر من خلالنا في تلك اللحظة. نحن حينها لا نقرر، بل نبادر بالحياة، وحين ننفض عن أرواحنا محاذير ما ينبغي وما لا ينبغي، نحيا اللحظة الأولى بشعورٍ فطري.. شعور حديث الولادة.

تلك البدايات لا تُنسى، بل تبقى عالقة في قلبٍ مفتوح على الحياة. بدايات اقتبست عفوية الشعور، فأسرتنا بين قوسيها. وعلمتنا أن الجمال دائمًا يكمن في أرواحنا، حين نتحرر من الوعي المثقل بالحذر والانتباه المفرط. عندها، سندرك سر دهشتنا المفقودة في حضور الاعتياد، وأن غياب الدهشة لا يعني ضياع المعنى.

يمر الوقت، فتتحول البدايات إلى أيام متشابهة، وتفاصيل متكررة. وحين تصبح الخبرة حاضرة في كل موقف، لا يبقى للاندهاش مكان. فنظن أننا فقدنا أنفسنا عند نقطة البداية، وأن الحياة تسللت من بين أيدينا بهدوء. ونظن أن الأشياء فقدت قيمتها، بينما الحقيقة أننا لم نعد نراها بتلك الدهشة.

ما الذي تغير فينا؟ وما سر ذلك الشعور البارد تجاه ما أحببناه يومًا؟                                              نتساءل: أين اللهفة التي كانت تُجمّل الأشياء؟ وأين ارتباك القلب وتسارع الأنفاس؟

ربما أصبحنا رهن الاعتياد، حتى فقدنا خفة أرواحنا، وأخذنا نخوض التجارب بحذر ووعي مرهِق. نحلل، ونفسر، ونقوم بحساباتٍ معقدة تذوب فيها روح المشهد، ويتلاشى معنى التفاصيل. لقد أثقلنا أنفسنا بالتوقعات المسبقة، حتى لم تعد الأشياء قادرة على مفاجأتنا.

ورغم ذلك، يبقى جمال التجارب الإنسانية محفوظًا في تفاصيلها، محسوسًا لمن يعرف كيف يعود إليها بقلبٍ مفتوح، وروحٍ أخف. لمن يشعر من دون تفسير، ويجرّب من دون تفكير. لمن يستطيع أن يستعيد إحساس اللحظة الأولى.. بتلك الدهشة الأولى.

 

- منال الرحيلي



إرسال تعليق

0 تعليقات

Ad Code

Responsive Advertisement