Ad Code

Responsive Advertisement

ضجيج هادئ





في الوقت الذي يسكن كل شيء فيه، حين يعتذر الطير عن التغريد، ويضم الورد بتلاته بهدوء، حين ينتشر الظلام ليعطي إشارة للوجود بضرورة الهدوء، عندها يخضع كل شيء للسلام التزاما بهدنة السكون، إلا ذلك العاقل، الظاهر بملامح الوقار، المعروف بالاتزان، يأبى أن يذعن لأي هدنة تمنعه من إحداث الضجيج الذي اعتاد عليه، ضجيج بلا صوت، ذلك الذي يحدث داخلنا في الوقت الذي نغلق فيه أعيننا وكأننا نستعد للانفصال عن العالم والناس والأفكار، بينما الحقيقة أننا نغوص في فوضى من نوع آخر، فوضى مع النفس، يحدثها العقل بكبريائه المعتاد، نواجه فيها أفكار متقاطعة، وأحاديث متداخلة، وحزمة شعور.
 
إن كل الفوضى التي تحدث في داخلك ما هي إلا جناية عقل، حين يطلق سراح أسراب من الأفكار المتضاربة الضارية لتأكل روحك، وتتغذى على مشاعرك، حتى تبقى كعصف مأكول. وما بين عقدة الذنب وجلد الذات، وتقريع النفس على ماضي ولى وفات، وأفعال وأقوال وأشياء كثيرة لا يمكن تغيرها ولا إعادة الزمن لمحوها، تتوه وتدور في حلقة نهايتها هي بدايتها. يظهر قلقك ليتحد مع حيرتك، ويضم خوفك قلبك، ويسيطر كل شعور سلبي على نظيره الإيجابي في معركة بلا جيش سوى أفكارك.
 
يطول الليل ويستمر ظلام الأفكار وتبقى في ظلمات بعضها فوق بعض. تنتظر انبثاق الفجر كانتظار الغريق لفريق الإنقاذ على أمل أن نور الصباح سيجلي معه كل سواد، ولكن سرعان ما تكتشف أن العتمة ليست بالليل، بل فيك أنت، في داخلك، حتى توقن تماما أن بطن الحوت كان أرفق بالنبي يونس من دهاليز عقلك.
 
أتمنى لو أستطيع أن أقول لك أن الذنب ليس بذنبك، وأن أربت على كتفك وأقول لا بأس كلنا كذلك. ولكن للأسف، لا أستطيع أن أخدعك لأقلل من إحساس الذنب لديك، لأنك ظلمت نفسك وجنيت على قلبك حتى أهلكته، عندما سمحت للجاني أن يتمادى، عندما سمحت لعقلك أن يتجه بك نحو الهاوية، ويتلاعب بك وأنت كالأسير مقيد بأفكارك المتناقضة حتى كونت عقدا عليك يصعب حلها.
 
عد لاتزانك، عد لرشدك، وللأرض الثابتة التي كنت تقف عليها قبل أن يحل عليك ظلام عقلك. نظم فوضى الأفكار، رتب بعثرة الشعور، وخذ نفسا عميقا تأخذ معه النور الذي يملأ المكان الذي أغمضت عينك عنه. صنف كل فكرة، ضعها في رتبة تناسبها، ثم تخلص من المؤذي منها بالاعتراف بها، ومواجهتها بوعي وتقبل. ليس من العار أن تكون لديك أفكار سلبية وأن تعترف بذلك، ولكن العار أن تحتفظ بها، وتسمح بنموها داخلك لتتفاجأ بحقل من الأفكار السامة. عبر، نفس، فضفض، لا تحتفظ بالحمل بداخلك حتى تنفجر، بل فرغ بطريقة آمنة تضمن نجاتك. وأفضلها نجوى ربك.



منال الرحيلي

إرسال تعليق

0 تعليقات

Ad Code

Responsive Advertisement